ابن تيمية

75

مجموعة الرسائل والمسائل

وأما في حق الخالق فهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وهو قادر مع كمال رحمته ، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم رسولاً رحمة منه ؟ كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما أنا رحمة مهداة " ولأن هذا من جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية وبيان ما ينفعهم وما يضرهم كما قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) فبين تعالى أن هذا من مننه على عباده المؤمنين . فإن كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح في كمال قدرته ، وإن كان ينكر إحسانه بذلك فهذا قدح في كمال رحمته وإحسانه . فعلم أن إرسال الرسول من أعظم الدلالة على كمال قدرته وإحسانه ، والقدرة والإحسان من صفات الكمال لا النقص . وأما تعذيب المكذبين فذلك داخل في القدر لما له فيه من الحكمة . فصل وأما قول المشركين : إن عظمته وجلاله يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب ، والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع : فهذا باطل من وجوه : منها أن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب إما أن يكون قادراً على سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب ، وإما أن لا يكون قادراً ، فإن لم يكن قادراً كان هذا نقصاً والله تعالى موصوف بالكمال فوجب أن يكون متصفاً بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ، ويجيب دعاءهم ، ويحسن إليهم بدون حاجة إلى حجاب ، وإن كان الملك قادراً على فعل أموره بدون الحجاب ، وترك الحجاب إحساناً ورحمة كان ذلك صفة كمال . وأيضاً : فقول القائل إن هذا غض منه إنما يكون فيمن يمكن الخلق أن يضروه ويفتقر في نفعه إليهم ، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم وأمنه أن يؤذوه فليس تقربهم إليه غضاً منه ، بل إذا كان اثنان أحدهما يقرب إليه الضعفاء إحساناً إليهم ولا يخاف منهم . والآخر لا يفعل ذلك إما خوفاً وإما كبراً وإما غير ذلك كان الأول أكمل من الثاني .